تتسارع وتيرة تغيّر المعرفة المهنية مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي، إذ أصبحت كثير من المهام التي كانت تتطلب خبرة طويلة قابلة للدعم أو التسريع عبر أدوات رقمية متقدمة. ولا يعني ذلك تراجع قيمة الخبرة، بل تغير طبيعتها؛ إذ لم تعد الأفضلية في امتلاك المعرفة وحدها، بل في القدرة على توظيفها بحكمة وفي السياق الصحيح.
وتشير الاتجاهات العالمية والمحلية إلى أن أسواق العمل تتجه نحو نماذج أكثر اعتمادًا على المهارات. ففي المملكة العربية السعودية، يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن 45% من مهام العمل قد تُنجز بصورة رئيسية ومستقلة بواسطة التقنيات الحديثة بحلول عام 2030، كما يرى أكثر من 70% من أصحاب العمل أن الإلمام بالتقنية من المهارات الصاعدة. ويتسق ذلك مع التوجه الوطني نحو ربط المهن بالمهارات، ودعم تخطيط القوى العاملة، ورصد فجوات المهارات الحالية والمستقبلية.
ما الذي يتغير؟
المهام الأكثر قابلية للتأثر هي تلك التي تعتمد على التكرار، والوضوح، وسهولة القياس، مثل المعالجة الإدارية، والمحاسبة الروتينية، والتلخيص، والتصنيف، وإعداد المسودات الأولية. لكن الأثر الأهم لن يكون اختفاء هذه الأعمال، بل انتقال التركيز من إنتاج المعلومة إلى مراجعتها، وتفسيرها، وتحويلها إلى قرار قابل للتنفيذ.
ما القدرات الأكثر قدرة على الصمود؟
رغم التقدم السريع في الذكاء الاصطناعي، هناك قدرات إنسانية يصعب اختزالها في خوارزميات أو تفويضها بالكامل للأنظمة الذكية. وتزداد أهمية هذه القدرات لأنها ترتبط بالحكم، والثقة، والتكيف مع الواقع غير المتوقع.
1. الحكم المهني في حالات الغموض
يعمل الذكاء الاصطناعي بكفاءة عندما تكون القواعد واضحة، والبيانات كافية، والهدف محددًا. لكنه يصبح أقل حسمًا عندما تكون الأهداف متغيرة، والمفاضلات أخلاقية، والنتائج ذات أبعاد تنظيمية أو اجتماعية أو إنسانية.
لذلك ستظل القيادة الاستراتيجية، والحوكمة، وإدارة الأزمات، وتقدير المخاطر، وصنع القرار في البيئات المعقدة من القدرات المحورية. فالميزة لن تكون في الوصول إلى المعلومات وحدها، بل في تفسيرها بمسؤولية وتحمل تبعات القرار.
2. التأثير الإنساني وبناء الثقة
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحاكي أنماطًا من التواصل، لكنه لا يحمل الثقة، ولا يتحمل المسؤولية، ولا يدير أثر القرار على العلاقات والسمعة والالتزامات طويلة المدى.
ولهذا ستبقى مهارات التفاوض، وبناء التوافق، والتدريب، وحل النزاعات، وإدارة أصحاب المصلحة من المهارات عالية القيمة. فالمنظمات لا تتغير بالأنظمة وحدها، بل عندما يقتنع الناس، ويتعاونون، ويلتزمون باتجاه مشترك.
3. العمل المعقد في البيئات غير المنظمة
تنجح الأتمتة بصورة أكبر في البيئات المستقرة والمسيطر عليها. أما البيئات الواقعية، مثل مواقع التشغيل، والبنية التحتية، والطوارئ، والصيانة، والخدمات الميدانية، فهي أكثر تغيرًا وتعقيدًا.
لذلك سيبقى الطلب قائمًا على الفنيين المتقدمين، والمهندسين المتخصصين، ومهنيي التشغيل والصيانة، والمستجيبين للطوارئ، والعاملين في البيئات التي تتطلب وعيًا بالموقف، وتقديرًا سريعًا، وتكيفًا مع ظروف غير متوقعة.
ما المهارات التي ستزداد أهميتها؟
ستنتقل الميزة المهنية تدريجيًا من سؤال: ماذا تعرف؟ إلى سؤال أعمق: كيف تستخدم ما تعرفه، ومع من، ولأي نتيجة؟
ومن المتوقع أن تزداد أهمية قدرات مثل:
- توظيف الذكاء الاصطناعي بمسؤولية.
- تكامل الأنظمة والعمليات.
- الأمن السيبراني والمرونة التنظيمية.
- حوكمة البيانات وأخلاقيات التقنية.
- التخطيط الاستراتيجي للقوى العاملة.
- التفكير متعدد التخصصات.
- قيادة التحول التنظيمي.
- التعلم المستمر والتكيف مع التغيير.
لن تلغي المرحلة المقبلة دور المهنيين، لكنها ستعيد ترتيب مصادر القيمة في العمل. فمن يجمع بين الطلاقة التقنية والحكم المهني الناضج سيكون أكثر قدرة على القيادة وتحقيق أثر ملموس، أما من يعتمد فقط على المعرفة المتراكمة أو التنفيذ الروتيني فستتراجع ميزته تدريجيًا. المستقبل لن يكون للتقنية وحدها، ولا للإنسان بمعزل عنها، بل للعقول القادرة على الجمع بين الدقة الرقمية، والحكمة المهنية، والمسؤولية الإنسانية.